الجاحظ
142
المحاسن والأضداد
بين لحيي ضرغام ، ولا ينجيك منه الروغان إذا التقت حلقتا البطان . ابن المنذر عن أبيه الشعبي عن ابن عباس أنه دخل المسجد وقد سار الحسين بن علي رضي اللّه عنه إلى العراق ، فإذا هو بابن الزبير في جماعة من قريش ، قد استعلاهم بالكلام ، فجاء ابن عباس فضرب بيده على عضد ابن الزبير ، وقال : أصبحت واللّه كما قال الشاعر : يا لك من قنبرة بمعمر * خلا لك الجوّ فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقّري * قد ذهب الصّيّاد عنك فأبشري لا بدّ من أخذك يوما فاصبري « 1 » خلت الحجاز من الحسين بن علي ، وأقبلت تهدر في جوانبها ، فغضب ابن الزبير وقال : « واللّه إنك لترى أنك أحق بهذا من غيرك » ، فقال ابن عباس : « إنما يرى ذلك من كان في حال شك ، وأنا من ذلك على يقين » ، قال : « وبأي شيء استحق عندك أنك بهذا الأمر أحق مني » ؟ فقال ابن عباس : « لأنا أحق بمن يدل بحقه ، وبأي شيء استحق عندك أنك أحق بها من سائر العرب إلّا بنا ؟ فقال ابن الزبير : « استحق عندي أني أحق بها منكم لشرفي عليكم قديما وحديثا » ، فقال : « أنت أشرف أم من شرفت به » ؟ فقال : « إن من شرفت به زادني شرفا إلى شرفي » ، قال : « فمني الزيادة أم منك » ؟ فتبسم ابن عباس ، فقال ابن الزبير : « يا ابن عباس ، دعني من لسانك هذا الذي تقلبه كيف شئت ، واللّه يا بني هاشم لا تحبوننا أبدا » . قال ابن عباس : « صدقت ، نحن أهل بيت مع اللّه ، لا نحب من أبغضه اللّه » ، قال : « يا ابن عباس ، أما ينبغي لك أن تصفح عن كلمة واحدة « إنما يصفح عمن أقر ، وأما من هر فلا ، والفضل لأهل الفضل » ، فقال ابن الزبير : « فأين الفضل » ؟ قال : « عند أهل البيت لا تصرفه عن أهله فتظلم ، ولا تضعه في غير أهله فتندم » . قال ابن الزبير : « أفلست من أهله » ؟ قال : « بلى إن نبذت الحسد ، ولزمت الجدد » .
--> ( 1 ) هذه الأبيات تنسب للشاعر الجاهلي طرفة بن العبد ، نظمها وهو ولد يصطاد القنابر .